عام

السياحة في اوزباكستان جزء 2 | Tourism in Uzbekistan

عزيزي القارئ تجولنا في الجزء الأول  السياحة في اوزبكستان وروعة طشقند وفي هذا الجزء استكمل استعراض جوانب أخرى من مشاهداتي في هذه البلاد المتميزة.
لقد توالت على هذه البلاد حضارات كثيرة فامتزجت على أرضها العقائد والثقافات وكان للمسلمين التأثير الاكبر في هذه البلاد، إلا ان الكثير من الموروثات والأعراف التي كانت سائدة قبل الإسلام ظلت متأصلة بروح الشعب مما ميز تراثها وصبغ ثقافتها بألوان تختلف عن باقي الحضارات المعاصرة لها.
اوزباكستان عندما طلبت أرملة الخليفة المتوكل أم الخليفة المنتصر اليونانية الأصل إذنا لتشييد ضريح على قبر ابنها حصلت عليه ليبنى أول ضريح لرجل مسلم عام 762م، توالت بعدها الأضرحة تزداد حجما وزينة حسب مكانة الميت لقد دهشت من كثرة أضرحة الأولياء، فالإسلام يدعو لدفن الأموات بقبور متواضعة لا معالم لها إلا مرتفع بسيط من التراب. ومازال الشعب في أوزبكستان يجل هذه الأضرحة فزيارتها من الممارسات المهمة أوقات الشدة والمناسبات السعيدة كالأعراس. ولم أكن أتوقع زيارة مقبرة كمقبرة شاهي زندا (الملك الحي) إنها اكبر مقبرة في آسيا الوسطى مقامة على تله والقبور مرصوصة على مستويات في الهواء الطلق او داخل حجرات جدرانها مزينة بالفسيفساء أو النقوش بألوان زاهية أول ضريح أقيم في هذه المقبرة كان قبر ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم القاسم ابن العباس الذي يعتقد انه استشهد في معركة فتح سمرقند، ثم توالت بعدها الأضرحة وتوسعت المقبرة منذ القرن 10 إلى ق 19م وتسمى ممرات المقبرة بشارع الموتى، إلا إن ما شاهدته هنا ممرات تغطيها قباب زرقاء وجدران مزينة برسوم جميلة تشعرك بالحياة خصوصا مع وجود مواكب الأعراس التي تأتي لتتبارك قرب الأضرحة – حسب معتقداتهم – فقد كانت تشيع جوا من الفرح والتفاؤل قرب هذه القبور. ضريح السمانيين في بخاري يعتبر من أجمل المباني التاريخية، أقيم في 9 ق.م بني على شكل مربع من حجر الآجر المحروق بزخرفة بديعة وبطريقة متقنة، حيث تتبدل ألوانه طيلة اليوم حسب أوضاع الشمس ويكون في قمة جماله في الليالي المقمرة. أما ضريح تيمورلنك في سمرقند فقد وضع على قبره اكبر قطعة من حجر الجيد في العالم ومن القصص التي رواها مرشدنا السياحي ولا اعلم مدى صحتها إن احد علماء الآثار الروس قد فتح قبر تيمورلنك للتأكد من شخصيته في يوم 21 يونيو سنة 1941م وعندما قلب الجثمان قرأ تهديدا لكل من يعبث بهذا الجسد سوف يهزم على يد من هو أقوى من تيمورلنك، وفي اليوم التالي 22 يونيو 1941م غزا هتلر روسيا. إن أهمية هذه الأضرحة تاريخيا جاءت لقدرتها على الاحتفاظ بطراز العمارة لكل حضارة وعصر منذ القرن التاسع إلى الثاني عشر الميلادي فأصحاب الضريح حرصوا على بناء القبب وطعموا بناءهم بالأحجار والفسيفساء وتفننوا بتزيين الجدران بالزخارف والألوان حتى الغزاة لم يتجرأون على المس بها خوفا من غضب الأولياء – حسب معتقداتهم – لذا فان هذه الأضرحة حفظت الفن المعماري لكل عصر.

الأسواق في اوزباكستان

إن بلاد ما وراء النهر كانت ملتقى طرق التجارة على طريق الحرير، مما أورثها أسواقا لا تزال تحتفظ بطابعها القديم. فسوق تشرسو (ذو الاتجاهات الأربعة) في طشقند من أقدم الأسواق، فقبل 2000 سنة كان سوقا للحرفين، أما الآن بقببه السبع يعتبر اكبر أسواق آسيا الوسطى، حيث يرتاده ربع مليون متسوق يوميا، فهو يحتوى على كل ما يمكن تخيله من بضائع وسلع. وفي بخارى وخيوا جولتنا في الأسواق كانت في غاية المتعة، فهي مقامة في مبان أثرية تضيف للتسوق تميزا استثنائيا. سوق القبب التجارية في بخارى مبني منذ القرن 16م وله عدة بوابات توجد فيه المشغولات والحلي الفضية والاواني النحاسية والملابس التقليدية بالأقمشة القطنية أو الكتان أو الحرير. كما تشتهر أوزبكستان بالسجاد حيث يتميز بدقة التصميم والجودة وأجمل أنواعه المصنوع من وبر الجمال. ولا ننسى السوزانا الاوزبكية، وهي قطعة قماش تطرز بالإبرة كمفرش أو سجادة. سوق أولي خان في خيوا من أجمل الأسواق، فهو مقام في مدرسة بنيت في القرن 18م والسوق من طابقين واحلى الأوقات عندما نجلس في الشاي خانة وسط السوق لاحتساء الشاي الأخضر.

الفنادق والمطاعم في اوزباكستان

مطاعم الفنادق في العاصمة متوافرة، وتتدرج من الفاخرة ذات 5 نجوم إلى الأقل مستوى وبأسعار تناسب الجميع، ولكن الفنادق في باقي المدن اقل فخامة إلا إنها نظيفة والخدمة فيها ممتازة. وما اثأر اعجابي هو تحويل البيوت القديمة إلى فنادق صغيرة ومطاعم تشعر فيها بأجواء عائلية مريحة، وتصميم هذه البيوت كبيوتنا القديمة بفناء يحيط به غرف المنزل، إلا إنها هنا ذات طابقين، فيستخدم الفناء كقاعة لتقديم الأكل أو صالة استقبال الفندق. وإقامتنا في بخارى تجربة لا تنسى ففي طريقنا إلى الفندق سرنا نجر حقائبنا في أزقة ضيقة بين بيوت قديمة وقد تملكني خوف إذ كيف سيكون فندق في هذا المكان خصوصا عندما توقفنا أمام باب خشب قديم ندق الجرس، ولكن لحظة دخولنا فناء الفندق شعرت بالأمان والراحة، فالبيت قديم منذ ما يقارب 150 سنة إلا انه جدد وحول ليكون فندقا، فغرفه مؤثثة على الطراز الاوزبكي بمستوى 5 نجوم وقد كانت الخدمة رائعة بجو عائلي حميم.
كما ان مثل هذه البيوت تقدم الأكلات الاوزبكية الشهية، وما يشعرك بالألفة هنا هو ان أفراد عائلة واحدة تعمل في هذه المطاعم، فتشاهد النساء يحضرن الطعام في المطبخ والأبناء يقدمونه لك. ومن الأطباق المشهورة البلف، وهو الأرز مع الجزر واللحم مضاف إليه البهارات، مثل الفلفل والكمون، وهذا الطبق يؤكل بشكل يومي ويقدم أيضا بالمناسبات والأعراس، ويقدم الطعام على طاولة توضع على تخت خشبي عريض، فيجب خلع الحذاء قبل الجلوس لتناول الطعام على التخت.
وقفنا نودع رفقاء الرحلة، قال احدهم بعد العودة لمنازلنا نحتاج إلى إجازة لمدة يومين للراحة بعد هذه الرحلة، وأكمل ضاحكا: لقد قدمنا إلى أوزبكستان من اجل الراحة والاستجمام إلا اننا قمنا بجولة استكشاف في تاريخ بلاد ما وراء النهر، اجل عزيزي القارئ في هذه البلاد حتى وان لم تكن باحثا اثريا أو مختصا بالعمارة لا بد لك ان تعيش أجواء تاريخية تشدك وتحفزك لان تتعرف على تاريخ حضارات سكنت هذه الأرض، فقد مررنا على الكثير من تحف الفن والهندسة المعمارية لحضارات مضت، واطلعنا على الكثير من التراث الاوزبكي في جو مليء بالأساطير والطرائف الشعبية، ولا انسى حفاوة ولطف الشعب الاوزبكي الذي سعدت بالتعرف إليه.. وختاما، عزيزي القارئ، أتمنى أن تكون استمتعت معي في ما استعرضته لك عن مشاهداتي في أوزبكستان.

الشعب الأوزبكي

تعتبر أوزبكستان من اكبر دول آسيا الوسطى من حيث عدد السكان، الذي يقارب 28 مليون نسمة غالبيتهم من الاوزبك والباقي من أصول مختلفة، مثل الروسية والطاجكية. اللغة الرسمية هي الاوزبكية، كما ان الغالبية يتقنون الروسية. الشعب ما زال متمسكا بالعادات والتقاليد الشرقية، فالروابط الأسرية قوية فقد اخبرنا مرشدنا، وهو اوزبكي من طشقند في الثلاثين من عمره، انه بعد زواجه كان عليه ان يعيش مع والديه للاعتناء بهما حسب ما هو سائد في المجتمع. إن الشعب عموما مضياف ويرحب بالأجانب، ولاحظنا عند تجولنا في الأماكن السياحية أن الاوزبكيين يسعون إلى التعرف بنا والتحدث إلينا، ومنهم من يصر على اخذ صور تذكارية معنا، فسألنا مرشدنا عن السبب، فقال إن الاوزبك عموما يحبون العرب، خصوصا أهل الجزيرة العربية، ويتباركون بهم لقربهم من الاراضي المقدسة.

تقاليد شرب الشاي

لا بد لي أن أشير إلى تقاليد تقديم الشاي في أوزبكستان.. فالشاي الاخضر يجب أن يقدم لكل ضيف ويحضر في ابريق من السيراميك ويصب في فنجان يسمى بيالا، ويبدأ المضيف بصب قليل من الشاي في البيالا، ثم يعيده إلى الإبريق ويعيد الكرة مرتين، والرابعة يصب فيها الشاي إلى اقل من منتصف البيالا، فالتقاليد لا تسمح بملء الفنجان، ويضع المضيف يده اليسرى على صدره ليقدم الشاي للضيف بيده اليمنى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى