عام

السياحة في اوزبكستان وروعة طشقند Tourism in Uzbekistan

بلاد ابن سينا والخوارزمي والبخاري.. طريق الحرير إلينا

رحلة إلى بلاد ما وراء النهر.. أوزبكستان

ميدان ريجستان في سمرقند

ابن سينا والخوارزمي والبيروني والبخاري أسماء أعلام في العلوم الانسانية بذروا نواة الكثير من العلوم واستفادت البشرية من انجازاتهم خصوصا في الطب والرياضيات. نفتخر بهؤلاء العلماء فهم مسلمون جاؤوا من بلاد أطلق عيها بلاد ما وراء النهر، نسبة الى نهري جيحون وسيحون. كنت اعتقد أن هذه البلاد ليس لها وجود الان، الى أن التقيت مصادفة في احدى الرحلات بشخص من أوزبكستان حدثني عن بلاده، وعرفت أن بلاد ما وراء النهر تقع في أوزبكستان وهي من دول آسيا الوسطى التي كانت تحت سيطرة ماكان يعرف بالاتحاد السوفيتي لعدة عقود، ولاشك أن هذا ماحكم عليها بالنسيان، فما ان استقلت أوزبكستان في سنة 1991 حتى عملت على استعادة التاريخ الصحيح لشعبها، فقد أكد رئيس الجمهورية اسلام كريموف في أكثر من مناسبة أهمية احياء تاريخها المنسي من خلال تعزيز مكانة مدنها التاريخية واحياء تراثها العريق وتنشيط السياحة اليها.
قررت مع اختي نوال أن نشد الرحال الى هذه البلاد، فهناك الكثير الذي يستحق المشاهدة. نظمت لنا شركة اوزبكية رحلة الى أوزبكستان لمدة 12 يوما، وكنا من ضمن مجموعة من 7 أشخاص من مختلف الجنسيات، التقينا بهم لأول مرة خلال هذه الرحلة واستمتعنا برفقتهم فقد كانوا نعم الرفاق، وسوف أطلعك عزيزي القارئ على أهم ما شهدناه في رحلتنا الى بلاد ما وراء النهرين.

طشقند أولاً

طشقند العاصمة كانت أول مدينة في جولتنا السياحية وصلناها جوا عبر دبي. طشقند باللغة الاوزبكية تعني مدينة الحجارة، عمر المدينة حوالي 2000 سنة. بعد استقلال أوزبكستان نزعت المدينة تدريجيا الثوب السوفيتي، فتخلت عن تمثال لينين وبدلت مبانيها الى الطراز الحديث، فأصبحت لا تختلف عن اي عاصمة حديثة. اختيرت طشقند لتكون عاصمة الثقافة الاسلامية في 2007 لما كان لها من مكانة مهمة على مر الامبراطوريات الاسلامية التي توالت على بلاد ما وراء النهر، فهي زاخرة بالآثار الاسلامية وغنية بالمخطوطات النادرة، ان ساحة «حزرت امام» تشعرك بروح الحضارة الاسلامية، فبعض مباني هذه الساحة تعود الى القرن 16م وتضم مدرسة براك خان والمعهد الاسلامي للامام البخاري، ومكتبته الثرية بالمخطوطات النادرة، من أهمها مصحف الخليفة عثمان بن عفان من القرن السابع الميلادي، أقدم نسخة مكتوبة للقرآن تتكون من 353 رقعة من جلد الغزال، وقد نقلها تيمورلنك من العراق الى عاصمته سمرقند، وفي زمن الاتحاد السوفيتي نقلت الى سانت بطرسبرغ ثم الى طشقند في 1989.

مدن على طريق الحرير

منظر على طريق وادي فرغانةبعد طشقند، انطلقنا برا الى بقية مدن أوزبكستان، فقضينا ساعات طويلة على الطريق البري بشوارع وعرة وأحيانا غير مريحة، الا أنها كانت أوقاتا مثيرة تستحق العناء فقد كنا نعبر في أجواء طريق الحرير. أقدم الطرق التي ربطت العالم القديم منذ عام 138 قبل الميلاد يبدأ في جنوب شرق الصين، وينتهي في روما بمسافة 6000 كلم تقطعها قوافل الجمال خلال 200 يوم من الصين عبر اسيا الوسطى (أوزبكستان) الى مدن فرغانة وخوارزم بخارى وسمرقند ثم ايران في طريقها الى أوربا. لقد نقل التجار عبر هذا الطريق السلع كالحرير والورق والبوصلة والسجاد، كما انتقل عبر هذا الطريق تراث وفنون الشعوب التي يمر بها فكان وسيلة لنشر العلوم والآداب ولتمتزج الحضارات وتلتقي الثقافات، فلا نبالغ ان قلنا ان فكرة العولمة كانت موجودة على طريق الحرير منذ سنة 138 قبل الميلاد. ففي طريقنا الى سمرقند صادفنا الكثير من بوابات رباطات الملك أو استراحات طريق الحرير وهي محطات راحة للقوافل كما مررنا على سراديب تخزين مياه الأمطار للشرب تغطيها قبب مبنية من الآجر المحروق مازالت قائمة منذ قرون.

عاصمة المغول

سمرقند أول مدينة وصلنا لها وهي من المدن المهمة قديما، حيث كانت عاصمة المغول وسماها الرحالة العرب الياقوتة فهي كانت مفتاح طريق الحرير للعبور الى الصين. لقد ذهلت أول مرة شاهدت فيها ساحة راجستان فلم أكن أتوقع كل هذا الابداع والفن المعماري فهذه الساحة هي قلب المدينة وصممت لتحيط بها من 3 جهات مدارس بنيت في فترات مختلفة. ان المدارس كانت ركنا أساسيا في حضارات الأمم التي تعاقبك على مدن بلاد ما وراء النهر فقد حرص الملوك والحكام على ان يكون التعليم متاحا لعامة الشعب مما يدل على تقدم ورقي هذه الحضارات وهذا ما أدى الى نبوغ أبنائها فقد هيأوا المناخ المناسب لان يتعلموا وينجزوا الكثير ليستفيد العالم من ابداعاتهم في مختلف العلوم. تصميم المدارس يتماثل في معظم المدن وهي عبارة عن مبان قائمة الزوايا لها صحون داخلية محاطة بكل اطرافها بحجرات للدراسة اما الجزء الداخلي فيخصص لسكن طلاب العلم وقد تكون المدرسة من طابق أو طابقين.
هذه المدارس كانت تدرس شتى أنواع العلوم ومن أهمها في ساحة راجستان مدرسة ألوك بيك (القائد العظيم) حفيد تيمورلنك التي بنيت في1420. ان القائد العظيم ألوك بيك الذي كان عالما فلكيا مفخرة شعبه، سعى لنشر العلم والمعرفة في بلاده لايمانه بان طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، لذا أقام عددا من المدارس في بلاده اشهرها في ساحة راجستان التي تعد المدارس في الشرق الاسلامي فقد كانت قبلة طلاب العلم في القرن 15م. وقد زرنا المرصد الفلكي لألوك بيك في سمرقند الذي اكتشفه عالم أثار روسي في سنة 1908 وهو عبارة عن بناء تحت الأرض بقاعدة من الرخام يحمل عليها آلة رصد الأجرام السماوية وفي مخطوطاته تمكن من حساب موقع القمر والكواكب ورصد 1018 نجما بطريقة اثارة اعجاب علماء الفلك وتقديرا لعلمه فقد سميت احدى الفوهات البركانية على القمر باسمه.

مدينة ترمذ

تقع مدينة ترمذ على نهر جيحون في أقصى شرق أوزبكستان. الاسم أطلقه عليها الإغريق ويعني المكان الحار، وهي موطن الإمام الترمذي صاحب الجامع الصحيح. وقد زرنا متحف ترمذ الذي يعد من اكبر متاحف اسيا الوسطى ويضم الكثير من الاواني الفخارية والتماثيل والمخطوطات التي تدل على ان عمر المدينة أكثر من 2500 سنة. كما تضمنت جولتنا ما بقي من آثار لمعبد بوذي الذي يعتقد انه هدم عندما جاءت المسيحية في القرن 5م.
تراث غني
مدرسة الوك بك - سمرقندهناك الكثير من الأساطير في التراث الاوزبكي حول حوض بخارى منها ما يروى أن وزيرا بخاريا وضع خطة لبناء عدة مدارس إلا أن بيت امرأة كان في وسط مخطط مشروعه وقد رفضت بيع منزلها فأمر الوزير بشق قناة تحت بيت المرأة ضخت فيها المياه لتهدم جدران المنزل ليرغم المرأة على ان تبيع بيتها فاستمر هذا الحوض منذ 1620م. ومع مغيب الشمس عند الحوض تبدأ أصداء الموسيقى التراثية تتردد في فناء احدى المدارس التاريخية التي تحولت إلى مركز سياحي تُعرض فيه المشغولات اليدوية والسجاد والحرير وتقدم فيه الأكلات الشعبية الاوزبكية وتقدم فرقة فنية الرقص التقليدي الاوزبكي في جو ينقلنا لنعيش قصة من قصص ألف ليلة وليلة. كما يقام عرض للأزياء الاوزبكية. يلفت النظر مبنى مميز بقببه الأربع بلونها الأزرق البراق بناها رجل ثري في 1807 لتكون مدرسة. ومن المنارات الجميلة منارة كلان بارتفاع 46 مترا وأقدم بناء في بخارى الارك أو القلعة التي بنيت في ق3م واتخذها حكام بخارى مركزا لهم.

متحف الحاضر والماضي

خيوا أو خوارزم كانت محطتنا التالية ودائما توصف بالمتحف المفتوح. تعزلك عن كل ما له علاقة بالحاضر فتنقلك لتعيش أجواء القرون الوسطى. فقد تركت على حالها منذ القرن 19م، وهي من ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. خيوا نشأت حول بئر ماؤها عذب لازالت موجودة ويقال انها البئر التي اغتسل بها النبي أيوب عندما كان مريضا. لذا الاهالي يلجأون الى مياه البئر للاستشفاء من الأمراض. قلعة خيوا تحوي عدة مبان أحدثها من القرن 19 بجدار طوله 2 كم من الطين والآجر المحروق. تزين سماء المدينة مئذنتان الأولى زرقاء وتسمى المئذنة القصيرة (1852م) ولها قصة. فيروى أن احد ملوك خوارزم كلف احد كبار المهندسين أن يبني له اعلى مئذنة في العالم وخطط أن يقتله بعد الانتهاء من البناء حتى لا يقوم ببناء أخرى فأحاطه بالحراس لحين الانتهاء من البناء وعندما علم كبير المهندسين بمصيره أمر احد مساعديه أن يصنع له أجنحة ليطير بها ونجح المهندس بالهروب طائرا من الحراس قبل أن ينتهي من بناء المئذنة إلا انه عندما حلق عاليا اذابت حرارة الشمس الشمع الذي كان يمسك الجناحين فسقط المهندس ومات وأصبحت المئذنة اقصر مئذنة.
ذكرى زوجته بيبي خانم
يُعد ما تبقى من مسجد بيبي خانم الذي بناه تيمورلنك (1399-1404) تخليدا لذكرى زوجته بيبي خانم ليكون أعظم مبنى في ذلك الوقت، وقد شارك في بنائه 600 عبد و200 مهندس وحرفي، بالإضافة إلى 100 فيل هندي، طول صحنه الداخلي 167م وعرضه 109م، وقبته تحفه فنية قطرها 20م وكانت مزينة بالياقوت.
منذ خرجنا من سمرقند باتجاه بخارى أحسست انني سأشاهد مدينة تختلف عن مدن العالم. فبخارى متميزة بتاريخها وتراثها تأبى أن تتغير، فلا زالت بذات الأزقة والمباني العتيقة تحكي قصص الحضارات العديدة التي سكنتها. فقد دلت الاحافير والدراسات الأثرية أن عمر بخارى يزيد عن 2500 سنة. هنا توجد أكثر من 100 مدرسة و350 مسجدا تاريخيا، وهي صروح تصطف بجانب بعضها بطريقة فريدة رغم أنها بنيت بأزمان مختلفة. حوض «لابي هوس» مركز المدينة تحيط به الأبنية من ثلاث جهات لتكون الجهة الرابعة مفتوحة تجاه طريق القوافل، وتوجد حوله المقاهي والمطاعم، وتزينه أشجار التوت المعمرة لأكثر من 500 سنة.

وادي فرغانة

اختلفت المشاهد عندما اتجهنا إلى وادي فرغانة، فهنا ظهرت جبال تغطي قممها الثلوج تحيط بها سهول ومروج خضراء تنتشر عليها قطعان الماشية مع راعيها وكلبه، فكانت لحظات استرخاء واستمتاع لبضع ساعات قبل أن نصل إلى وادي فرغانة في أقصى شرق البلاد. كانت لنا جولة في مدينة مرجلان مركز صناعة الحرير وزرنا احد المصانع التقليدية لغزل الحرير، وهو عبارة عن بيت قديم يديره أفراد العائلة، فهذه الحرفة تتوارثها الأجيال، وشاهدنا طريقة غزل الحرير بالآلات التقليدية.

إعداد د. نزيلة يوسف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى